محمد عمر هادي
07-15-2009, 05:29 PM
القصة الخامسة
(انحدار من القمة إلى مكان سحيق عبر دياجير الظلام )
عاش الناس قبل بزوغ شمس الإسلام عليهم بالهدى والنور وقبل أن يغمرهم القرآن بالإيمان والتقوى وقبل أن تربيهم شريعة السماء في ظل العقيدة الإسلامية السمحة .. عاشوا مثلهم مثل بقية المخلوقات يعرفون كيف يأكلون ويشربون ويتكاثرون .. لكنهم عمَّا يصلح دينهم ودنياهم وأخرتهم في جهلهم يتخبطون .. حتى أشرق عليهم فجرٌ جديد .. يخرجهم من الظلمات إلى النور .. فأرسل الله إليهم خير رسله ..وأنزل عليهم أجلَّ وأعظم كتبه ..قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) فعمَّت الهداية أرجاء الدنيا .. ودخل الناس في دين الله أفواجاً .. والرسول صلى الله عليه وسلم ما من خير إلاَّ ودلهم عليه وما من شرٍّ إلاَّ وحذرهم منه .. وقد علَّمنا رسول الله أن نعبد الله على علم .. فمكانة العلماء بالله عند الله أفضل من مكانة العُبَّاد على جهل .. فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف .. والعابد لله بدون علم يستدرجه الشيطان شيئاٍ فشيئاً فينحدر إلى مهاوي الردى .. وقصتي اليوم عن عابد بني إسرائيل الذي جاء خبره في الأثر فإلى هناك :
ستبدأ مسيرتنا إلى قصتنا من قول الله تعالى: ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ)
كان فيمن كان قبلنا .. يا أحبابنا .. أدام الله عليكم السعادةَ والهنا .. كان هناك عابد لله .. مخلص .. خاشع .. منيب .. مخبت ..مؤمن .. تقي نقي .. صفي .. راكع لله ساجد .. قد اعتزل الدنيا وأهل الدنيا .. وبنى لنفسه صومعة للعبادة .. على قمة جبل عالٍ وبعيد عن الناس .. وتفرغ للعبادة ليلاً ونهاراً .. وعاش أسعد مخلوق على وجه الأرض كيف لا والأُنس بالله .. والخلوةُ بمناجاة الله .. لا يعدلها شي .. فهي تبعث الطمأنينة والراحة .. ظل على عبادة الله .. حتى اشتهر أمره بين الناس .. فالقرى الموجودة أسفل الجبل الأشم قد وصلها خبر العابد الزاهد الذي كان من أمره أنه يعالج المرضى بالذكر والدعاء لخالق الأرض والسماء الذي بيده الشفاء.. فما كان منهم إلاَّ أن قصدوه من كل حَدَبٍ وصوب طلباً للعلاج .. ونفع الله به العباد .. وذات يوم .. وما أدراك ما ذات يوم .. ذات يوم .. أقبل على العابد شابين وفتاة .. كانوا إخوة أشقاء ..وكانت المريضة هي أختهما ..وكان مرضها المس من الجن ..وكانت هذه خطة من الشيطان ليغوي بها العابد .. فكانت تصرع ويتخبطها الشيطان .. ويحتار في أمرها الأخوان .. حتى آن الأوان ..ودلهم الشيطان إلى الذهاب للعابد .. طلباً لرفع الهوان بالذكر ودعاء الرحمن ..وبعدما وصلوا وبشق الأنفس عرضوا عليه شكوى ومرض أختهما .. فبدأ بعلاجها وبدأت تتحسن .. غير أنه طلب منهما المجيء بها يوميا للعلاج .. قال الأخوان : هذا مستحيل لبعد المسافة علينا إضافةً أننا تكبدنا المشاق لإيصالها إلى هنا لأنها كانت تصرع علينا .. قال لهما : جلسة واحدة لا تكفي لأ نه سيعاودها الجان .. وبعد محاورات ومداولات رست سفينةُ أفكارهم على بناءِ غرفةٍ صغيرة قريبة من صومعة العابد لتسكن فيها الفتاة ..و ليتمكن العابد من علاجها بشكل مستمر .. وجاء الشيطان المتربص بالمرصاد للعابد منذ زمن طويل والمتحين الفرصة التي تمكنه من إغواء العابد .. ويعلم الشيطان أن أمر إغوائه لن يكون سهلاً .. فقرر أن يلعب لعبته الدنيئة طريقة الاستدراج .. والتي تسمى خطوات الشيطان .. ولم يكن العابد يعلم بقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ...}
وسكنت الفتاة في تلك الغرفة .. والعابد في صومعة العبادة .. والشيطان ينسج خيوط الفساد والضلال والغواية بينهما .. وفي كل يوم يذهب العابد إلى الفتاة بمائدة الطعام ويترك الطعام عند الباب من الخارج ويمضي مسرعاً إلى شأنه .. والشيطان ينظر رافعاً صنارة خطواته ليلقي بالخطوة الأولى بعد أن جهَّز الطُعم المناسب .. فجاء للعابد موسوساً له وقائلاً : كيف تضمن أن الطعام سيصل للفتاة المسكينة وهي لاتعلم أنك أحضرت لها الطعام وبنفسك .. فقال في نفسه نعم وممكن أن تأكله أغنام الجبل .. سأطرق الباب على الفتاة لتعلم بوجود الطعام ثم أمضي بسرعة .. وظل على هذا الحال .. وهي لا تأتي إلاَّ وقت العلاج مع الناس .. ثم جاء الشيطان لينسج شباك الخطوة الثانية فقال للعابد موسوساً : يا رجل ما هذا الجفاء تضع الطعام وتطرق الباب وتمضي ولا تلقي التحية .. السلام لله .. أتريد أن تُكِّره الفتاة في الدين وأنت العابد الحكيم .. فقال : نعم التحية والسلام ولا ضرر .. واستمر الحال على السلام ويأتيه الرد بصوت عذب رقيق يشنف سمعه ويحرك قلبه .. والشيطان لا يمل ولا يَكَلّ يتربص به الدوائر حتى جاءت دائرة السَوء لينصب للعابد المكيدة والخطوة الثالثة قائلاً وموسوساً : يا لك من رجل تلقي السلام بدون كلام .. ألا تسألها عن حالها.. عن مرضها.. وكيف يسير العلاج معها .. وهل تشعر بتحسن لتعرف أن كانت قد شفيت أم لا بَدَلَ أن تحبسها هكذا ..وفعلاً صار العابد المنجرف كل يوم يأتي إلى الفتاة ويتجاذبان أطراف الحديث .. والحديث ذو شجون كما تعلمون .. ويقف الشيطان مصفقاً للعابد.. وهذا حال العابد لله بدون علم ..أمَّا العلماء الربانيين فإنهم يعبدون الله على علم وخشوع قال تعالى { إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء }وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب }
نعود للعابد الذي بدأ الشيطان يستحوذ عليه وهو يهيم مع تلك الفتاة في تلك الخلوة قد غاب عن أعين الناس وعن إخوانها في ذاك الجبل البعيد وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{ ما خلا رجلٌ بامرأة إلاَّ كان الشيطان ثالثهما }
وخلال هذه الخلوة الخطيرة جاء الشيطان بالخطوة الرابعة وهذه الخطوة تسمى تزيين الزنا.. تزيين الفحشاء والمنكر وقال للعابد هذه فرصتك والفتاة طوع أمرك والمكان آمن وأنت المُصدَّق عند الناس .. وما زال به يشعل لهيب الغواية في قلبه حتى وقع في جريمة الزنا .. والشيطان يحتفل مع نفسه بهذا الإنجاز .. ولكن يا ترى هل مضى الشيطان وترك العابد لحاله .. بالطبع لا .. فما زالت في جعبته خطوات وخطوات .. وتمضي الأيام وتنتفخ بطن الفتاة .. يا للهول أنها حامل بالزنا .. أنها حامل بالزنا .. وتقع المصيبة على رأس العابد ويجن جنونه .. ماذا يفعل .. ويأتي الشيطان بالخطوة الخامسة قائلاً للعابد بكل ثقةٍ وغرور : إسمع يا رجل أنا أوقعتك في الأولى وأنا أخلصك من الثانية .. وكأني بالعابد وهو يقول للشيطان : عجِّل .. عجِّل .. إليَّ بالنجاة والمخرج . قال له الشيطان : أُقتلها ووليدها وادفنها بصحراء بعيدة وارجع إلى صومعتك وقل لأخويها وللناس جميعاً أن الشيطان خنقها فماتت وألقي باللوم على أخويها كيف يتركونها كل هذه المدة دون أن يسألوا عنها وأنت المصدَّق .. وذهب العابد ليتحول إلى مجرم زانٍ وقاتل ويدخل على الفتاة البريئة المسكينة ليقتلها شرَّ قِتلة ويلف جثتها ويمضي بها ليلاً .. وفي مثل هذا الليل كان يقوم لله بالصلاة والذكر والدعاء .. والآن يحمل القاتل القتيلة ليخفي عن الناس الرذيلة ..آه ثم آه من الحَوْرِ بعد الكَوْر ..إنه الشيطان.. نعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. وفي هذه المرة وحتى يتقن الشيطان خطته جاء لإخوة الفتاة في المنام وقال لهما : إن العابد قد فعل بأُختِكما الفاحشة ثم حملت منه ثم قتلها ليخفي جريمته ثم دفنها في موضع كذا وكذا .. وقد جهَّز لكما الأكاذيب لتصدقوه .. قام كلٌ من الشابين في غاية الفزع وكل واحد يسرد للثاني ما رآه في منامه ولمّا توافقت الأحلام .. مضوا مسرعين إلى مكان القبر حسب وصف الشيطان وفعلاً وجدوا قبراً يبدو عليه عدم الإهتمام مفضوح الحال .. فنبشوه لتنزل الفاجعة بهما عندما رأو أختهما الحبيبة مقتولة وبطنها منتفخة بالحمل .. وتفجرت براكين الغضب وهرعوا إلى كل أهالي القرى ليخبروهم الخبر فإذا بالناس يحملون أسلحتهم ويمضون إلى صومعة العابد صاحب الجرائم بعد أن غلَّق الأبواب على نفسه .. فصاروا يهدمون الصومعة من كل جانب .. والعابد يدور في أرجاء المكان يبحث عن النجاة بأي طريقة .. وهنا جاء الشيطان مختالاً في مشيته .. وظهر أمام العابد حقيقة لا خيال وقال له : يا هذا أنا أنجيك الآن مما أنت فيه وقد دبرت لك أمورك من قبل .. قال العابد : نعم ..نعم بسرعة أرجوك .. قال الشيطان : ليس بهذه البساطة . قال العابد : ماذا تريد .. قال الشيطان : أُسجُد لي سجدة واحدة .. واحدةً فقط .. وأنا أُخلصك منهم .. فما كان من العابد إلاَّ أن سجد للشيطان من دون الله .. فدَّوت ضحكات الشيطان أرجاء المكان .. ودخل الناس ووجدوه ساجداً فقتلوه على هيئته قائلين : يا لك من كذَّاب إلى الآن تدعي العبودية لله لقد عرفناك على حقيقتك .. فقتلوه شرَّ قِتلة .. ومضى الشيطان مزهواً بنفسه ليبحث عن غيره ليغويه .. والآن اقرءوا إن شئتم قول الله تعالى :} كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ{
والقصة هذه المرة ليس فيها مغزى فحسب بل أنها مليئة بالدروس والعبر والحكم وسأترك للقاري الكريم أن يستنبطها .
وتقبلوا صدق محبتي لكم جميعاً
الكاتب أخوكم / أ . محمد عمر
في انتظار كريم ردودكم التي تفرحني بكم
(انحدار من القمة إلى مكان سحيق عبر دياجير الظلام )
عاش الناس قبل بزوغ شمس الإسلام عليهم بالهدى والنور وقبل أن يغمرهم القرآن بالإيمان والتقوى وقبل أن تربيهم شريعة السماء في ظل العقيدة الإسلامية السمحة .. عاشوا مثلهم مثل بقية المخلوقات يعرفون كيف يأكلون ويشربون ويتكاثرون .. لكنهم عمَّا يصلح دينهم ودنياهم وأخرتهم في جهلهم يتخبطون .. حتى أشرق عليهم فجرٌ جديد .. يخرجهم من الظلمات إلى النور .. فأرسل الله إليهم خير رسله ..وأنزل عليهم أجلَّ وأعظم كتبه ..قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) فعمَّت الهداية أرجاء الدنيا .. ودخل الناس في دين الله أفواجاً .. والرسول صلى الله عليه وسلم ما من خير إلاَّ ودلهم عليه وما من شرٍّ إلاَّ وحذرهم منه .. وقد علَّمنا رسول الله أن نعبد الله على علم .. فمكانة العلماء بالله عند الله أفضل من مكانة العُبَّاد على جهل .. فمن كان بالله أعرف كان منه أخوف .. والعابد لله بدون علم يستدرجه الشيطان شيئاٍ فشيئاً فينحدر إلى مهاوي الردى .. وقصتي اليوم عن عابد بني إسرائيل الذي جاء خبره في الأثر فإلى هناك :
ستبدأ مسيرتنا إلى قصتنا من قول الله تعالى: ( كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ)
كان فيمن كان قبلنا .. يا أحبابنا .. أدام الله عليكم السعادةَ والهنا .. كان هناك عابد لله .. مخلص .. خاشع .. منيب .. مخبت ..مؤمن .. تقي نقي .. صفي .. راكع لله ساجد .. قد اعتزل الدنيا وأهل الدنيا .. وبنى لنفسه صومعة للعبادة .. على قمة جبل عالٍ وبعيد عن الناس .. وتفرغ للعبادة ليلاً ونهاراً .. وعاش أسعد مخلوق على وجه الأرض كيف لا والأُنس بالله .. والخلوةُ بمناجاة الله .. لا يعدلها شي .. فهي تبعث الطمأنينة والراحة .. ظل على عبادة الله .. حتى اشتهر أمره بين الناس .. فالقرى الموجودة أسفل الجبل الأشم قد وصلها خبر العابد الزاهد الذي كان من أمره أنه يعالج المرضى بالذكر والدعاء لخالق الأرض والسماء الذي بيده الشفاء.. فما كان منهم إلاَّ أن قصدوه من كل حَدَبٍ وصوب طلباً للعلاج .. ونفع الله به العباد .. وذات يوم .. وما أدراك ما ذات يوم .. ذات يوم .. أقبل على العابد شابين وفتاة .. كانوا إخوة أشقاء ..وكانت المريضة هي أختهما ..وكان مرضها المس من الجن ..وكانت هذه خطة من الشيطان ليغوي بها العابد .. فكانت تصرع ويتخبطها الشيطان .. ويحتار في أمرها الأخوان .. حتى آن الأوان ..ودلهم الشيطان إلى الذهاب للعابد .. طلباً لرفع الهوان بالذكر ودعاء الرحمن ..وبعدما وصلوا وبشق الأنفس عرضوا عليه شكوى ومرض أختهما .. فبدأ بعلاجها وبدأت تتحسن .. غير أنه طلب منهما المجيء بها يوميا للعلاج .. قال الأخوان : هذا مستحيل لبعد المسافة علينا إضافةً أننا تكبدنا المشاق لإيصالها إلى هنا لأنها كانت تصرع علينا .. قال لهما : جلسة واحدة لا تكفي لأ نه سيعاودها الجان .. وبعد محاورات ومداولات رست سفينةُ أفكارهم على بناءِ غرفةٍ صغيرة قريبة من صومعة العابد لتسكن فيها الفتاة ..و ليتمكن العابد من علاجها بشكل مستمر .. وجاء الشيطان المتربص بالمرصاد للعابد منذ زمن طويل والمتحين الفرصة التي تمكنه من إغواء العابد .. ويعلم الشيطان أن أمر إغوائه لن يكون سهلاً .. فقرر أن يلعب لعبته الدنيئة طريقة الاستدراج .. والتي تسمى خطوات الشيطان .. ولم يكن العابد يعلم بقوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ...}
وسكنت الفتاة في تلك الغرفة .. والعابد في صومعة العبادة .. والشيطان ينسج خيوط الفساد والضلال والغواية بينهما .. وفي كل يوم يذهب العابد إلى الفتاة بمائدة الطعام ويترك الطعام عند الباب من الخارج ويمضي مسرعاً إلى شأنه .. والشيطان ينظر رافعاً صنارة خطواته ليلقي بالخطوة الأولى بعد أن جهَّز الطُعم المناسب .. فجاء للعابد موسوساً له وقائلاً : كيف تضمن أن الطعام سيصل للفتاة المسكينة وهي لاتعلم أنك أحضرت لها الطعام وبنفسك .. فقال في نفسه نعم وممكن أن تأكله أغنام الجبل .. سأطرق الباب على الفتاة لتعلم بوجود الطعام ثم أمضي بسرعة .. وظل على هذا الحال .. وهي لا تأتي إلاَّ وقت العلاج مع الناس .. ثم جاء الشيطان لينسج شباك الخطوة الثانية فقال للعابد موسوساً : يا رجل ما هذا الجفاء تضع الطعام وتطرق الباب وتمضي ولا تلقي التحية .. السلام لله .. أتريد أن تُكِّره الفتاة في الدين وأنت العابد الحكيم .. فقال : نعم التحية والسلام ولا ضرر .. واستمر الحال على السلام ويأتيه الرد بصوت عذب رقيق يشنف سمعه ويحرك قلبه .. والشيطان لا يمل ولا يَكَلّ يتربص به الدوائر حتى جاءت دائرة السَوء لينصب للعابد المكيدة والخطوة الثالثة قائلاً وموسوساً : يا لك من رجل تلقي السلام بدون كلام .. ألا تسألها عن حالها.. عن مرضها.. وكيف يسير العلاج معها .. وهل تشعر بتحسن لتعرف أن كانت قد شفيت أم لا بَدَلَ أن تحبسها هكذا ..وفعلاً صار العابد المنجرف كل يوم يأتي إلى الفتاة ويتجاذبان أطراف الحديث .. والحديث ذو شجون كما تعلمون .. ويقف الشيطان مصفقاً للعابد.. وهذا حال العابد لله بدون علم ..أمَّا العلماء الربانيين فإنهم يعبدون الله على علم وخشوع قال تعالى { إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء }وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب }
نعود للعابد الذي بدأ الشيطان يستحوذ عليه وهو يهيم مع تلك الفتاة في تلك الخلوة قد غاب عن أعين الناس وعن إخوانها في ذاك الجبل البعيد وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم{ ما خلا رجلٌ بامرأة إلاَّ كان الشيطان ثالثهما }
وخلال هذه الخلوة الخطيرة جاء الشيطان بالخطوة الرابعة وهذه الخطوة تسمى تزيين الزنا.. تزيين الفحشاء والمنكر وقال للعابد هذه فرصتك والفتاة طوع أمرك والمكان آمن وأنت المُصدَّق عند الناس .. وما زال به يشعل لهيب الغواية في قلبه حتى وقع في جريمة الزنا .. والشيطان يحتفل مع نفسه بهذا الإنجاز .. ولكن يا ترى هل مضى الشيطان وترك العابد لحاله .. بالطبع لا .. فما زالت في جعبته خطوات وخطوات .. وتمضي الأيام وتنتفخ بطن الفتاة .. يا للهول أنها حامل بالزنا .. أنها حامل بالزنا .. وتقع المصيبة على رأس العابد ويجن جنونه .. ماذا يفعل .. ويأتي الشيطان بالخطوة الخامسة قائلاً للعابد بكل ثقةٍ وغرور : إسمع يا رجل أنا أوقعتك في الأولى وأنا أخلصك من الثانية .. وكأني بالعابد وهو يقول للشيطان : عجِّل .. عجِّل .. إليَّ بالنجاة والمخرج . قال له الشيطان : أُقتلها ووليدها وادفنها بصحراء بعيدة وارجع إلى صومعتك وقل لأخويها وللناس جميعاً أن الشيطان خنقها فماتت وألقي باللوم على أخويها كيف يتركونها كل هذه المدة دون أن يسألوا عنها وأنت المصدَّق .. وذهب العابد ليتحول إلى مجرم زانٍ وقاتل ويدخل على الفتاة البريئة المسكينة ليقتلها شرَّ قِتلة ويلف جثتها ويمضي بها ليلاً .. وفي مثل هذا الليل كان يقوم لله بالصلاة والذكر والدعاء .. والآن يحمل القاتل القتيلة ليخفي عن الناس الرذيلة ..آه ثم آه من الحَوْرِ بعد الكَوْر ..إنه الشيطان.. نعوذ بالله من الشيطان الرجيم .. وفي هذه المرة وحتى يتقن الشيطان خطته جاء لإخوة الفتاة في المنام وقال لهما : إن العابد قد فعل بأُختِكما الفاحشة ثم حملت منه ثم قتلها ليخفي جريمته ثم دفنها في موضع كذا وكذا .. وقد جهَّز لكما الأكاذيب لتصدقوه .. قام كلٌ من الشابين في غاية الفزع وكل واحد يسرد للثاني ما رآه في منامه ولمّا توافقت الأحلام .. مضوا مسرعين إلى مكان القبر حسب وصف الشيطان وفعلاً وجدوا قبراً يبدو عليه عدم الإهتمام مفضوح الحال .. فنبشوه لتنزل الفاجعة بهما عندما رأو أختهما الحبيبة مقتولة وبطنها منتفخة بالحمل .. وتفجرت براكين الغضب وهرعوا إلى كل أهالي القرى ليخبروهم الخبر فإذا بالناس يحملون أسلحتهم ويمضون إلى صومعة العابد صاحب الجرائم بعد أن غلَّق الأبواب على نفسه .. فصاروا يهدمون الصومعة من كل جانب .. والعابد يدور في أرجاء المكان يبحث عن النجاة بأي طريقة .. وهنا جاء الشيطان مختالاً في مشيته .. وظهر أمام العابد حقيقة لا خيال وقال له : يا هذا أنا أنجيك الآن مما أنت فيه وقد دبرت لك أمورك من قبل .. قال العابد : نعم ..نعم بسرعة أرجوك .. قال الشيطان : ليس بهذه البساطة . قال العابد : ماذا تريد .. قال الشيطان : أُسجُد لي سجدة واحدة .. واحدةً فقط .. وأنا أُخلصك منهم .. فما كان من العابد إلاَّ أن سجد للشيطان من دون الله .. فدَّوت ضحكات الشيطان أرجاء المكان .. ودخل الناس ووجدوه ساجداً فقتلوه على هيئته قائلين : يا لك من كذَّاب إلى الآن تدعي العبودية لله لقد عرفناك على حقيقتك .. فقتلوه شرَّ قِتلة .. ومضى الشيطان مزهواً بنفسه ليبحث عن غيره ليغويه .. والآن اقرءوا إن شئتم قول الله تعالى :} كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ{
والقصة هذه المرة ليس فيها مغزى فحسب بل أنها مليئة بالدروس والعبر والحكم وسأترك للقاري الكريم أن يستنبطها .
وتقبلوا صدق محبتي لكم جميعاً
الكاتب أخوكم / أ . محمد عمر
في انتظار كريم ردودكم التي تفرحني بكم